الواحدي النيسابوري

مقدمة 4

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

قد سخر هذا الكون كله بأرضه وسمائه وما بينهما للإنسان مصداقا لقوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) * ( 1 ) . وعلى الإنسان أن يبذل كل جهوده وطاقاته الفكرية في سبيل اكتشاف القوانين التي تحكم سير هذا الوجود ، ومعرفة آيات الله في هذا الكون ، والتي تشير جميعها إلى عظمة الخالق وقدرته : * ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) * ( 2 ) . وفى طل القرآن الكريم وهدايته تطورت على أيدي علماء المسلمين علوم الرياضيات والفلك والطب والفلسفة وغيرها من علوم نافعة . وهكذا كان القرآن الكريم هو الدافع الأول لك ما حققه المسلمون في السابق من تقدم حضارى باهر . ولا يزال القرآن يقدم عطاء الممدود والمتواصل لكل من يريد أن يعترف من معينه الفياض . ومن هنا لا نعجب إذا جدنا علماء المسلمين في السابق واللاحق يبذلون جهودا فائقة في تفسير القرآن الكريم ، وشرح تعاليمه ، والاهتمام الكبير بكل ما يتصل به من قريب أو من بعيد . وقد تعددت التفاسير وتنوعت مناهج المفسرين ، ولم ينقطع هذا الجهد المبذول في تفسير القرآن الكريم حتى يومنا هذا . فالعطاء موصول ومتجدد والقرآن الكريم " لا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضى عجائبه " . والمجلس الأعلى للشؤن الإسلامية - من خلال لجنة إحياء التراث - يبذل جهودا فائقة في سبيل إحياء التراث الإسلامي بصفة عامة ، وتحقيق العديد من المخطوطات في تفسير القرآن الكريم بصفة خاصة ، وتفاسير القرآن - كما هو معروف - منها المطول ، ومنها المختصر ، ومنها الوسيط ، ومنها ما يهتم بالأحكام الفقهية ، ومنها ما يهتم بإيراد الأحاديث النبوية الشارحة ، ومنها ما يهتم بالجانب البياني أو العقدي ومنها ما يهتم بالإعجاز العلمي . . . إلخ . والكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ الكريم هو كتاب ( الوسيط في تفسير القرآن المجيد ) للإمام أبى الحسين علي بن أحمد الواحدي ( المتوفى 468 ه‍ ) وهو من المفسيرين الذين لهم باع طويل في التفسير . فقد ألف فيه " البسيط " و " الوسيط " و " الوجيز " .

--> ( 1 ) سورة الجاثية : 13 . ( 2 ) سورة فصلت : 53 .